أبو القاسم الشابّي

Abou Ekassem Echabbi

وهو المُلقب بشاعر الخَضراء، ولد في قرية صغيرة بولاية توزر سنة 1909م وتُوُفّي سنة 1934م.

نَشأ أبو القاسم الشابي في أسرةٍ مُثقفةٍ ومتدينةٍ، وهو ابن الشيخ محمد الشّابي الرَّجل الصَّالح التَّقيُّ والقاضِي المَعروف. كان أبو القاسم الشابي يُرافق والده في مختلفِ تَنقلاتِه بين البلدان والمُدنِ التونسيّة التي كان يَعمل بها، وكان يَنبهِر في كل منطقة يَزورُها بجمالها الطّبيعيّ الخلَّاب.

تَلقَّى أبو القاسم الشابّي تَعليمه الأوّل في المدارس القرآنية وحفظ القرآن الكريم كاملاً وهو في التاسعة من عمره، وقد عُرف بالذّكاء والفِطنة والقُدرة الكبيرة على التَّركيز واسْتيعاب العُلوم، كما تعلّم من والده أصول اللغة العربيّة وأصول الدّين.

بعد ذلك أرسَله والده إلى العاصمة التونسيّة لِيُكمِل دِراسته في جامع الزيتونة « أعرق الجامعات العربية » ليحصُل على أرفع وأعلى شهادة تَمنحُها الكلية الزيتونيّة وهي شهادة التَّطويع سنة 1927.

إلّا أنَّه كان شَغوفا بالقراءة والمُطالعة إلى أبْعدِ الحُدود فكان لا يكتفى بما يُقدَّم إليه من علوم وكان يقصد مكتبة الصادقيّة ومكتبة الخلدونيّة للتَّشبع بقراءةِ ترجمات الأدب الأوروبي ويَنهل من التّراث العربي ودواوين الشعر من الأدب العربي القديم والحديث. ثم أتمَّ الشابي دراسته بدعم من والده في مدرسة الحقوق التونسية ليتَخرج منها سنة 1930.

 بالتَّزامن مع دراسته الأكاديمية انضَم الشابي لمُنتديات الفِكر ومجالس الأدب، كما أصبح عضواً في النّادي الأدبيّ لقدماءِ الصادقية، وأخذَت مواهبُه في الكتابة والشعر تبرُزُ وتعبِّر عن نفسها في قصائد ومقالات ومحاضرات يُلقيها بتفرُّد وتميُّز أمام بقية زملائه وأساتذتِه.

كان الشابي ضَعيف البُنيَة منذ طفولته، ويبدو أنه كان يَشكو انتفاخاً وتفتحاً في قلبه ولم يتفطن لذلك إلا عندما ازدادت حالته سوءاً، وظهرت عليه أعراض الدَّاء واضحة في سنة 1929.

لم يَأتمِر الشابي بنصيحة الأطباء بضرورة الاعتدال في حياته البدنية والفكرية ممَّا زاد في سَقمه، إضافةً إلى حالة الحُزن والألم التي كان يعيشها إثر صدمة وفاة محبوبته الشابة، ثم وفاة أبيه، مُلهمَهُ وسَندَه الأبرزُ في الحياة.

نال أبو القاسم الشابي شُهرة واسعة في المجال الأدبيّ تخطت حُدود الوطن لِتصل إلى الشرقِ العربيّ بأكملِه ونُشِرت قصائده في العديد من المجلات والصُحف العربية.

نادى أبو القاسم الشابي بالتجديدِ، بتحريرِ الشعر من طبيعته القديمة وشكله النَّمطي، بالانفتاح وتطوير الشعر والأدب والثقافةِ والسياسة. كما سعى لتغيير كلّ ما هو مألوف وجامِد وشجَّع على إيلاءِ فُسحَة للتعمُّق والتفكير والخيال، إلا أنه تعرّض لمَوجَة من الانتقادات ودعواتٍ لمقاطعة محاضراته، ممّا أثر فيه الأثر البالغ وظهر ذلك جليا في أشعارِهِ.

لقد كان الشابي بِشعره يشُن حربا بلا هَوادة ضدّ الاستعمار الفرنسي وضدّ قُوى الرِّجعية والظلامية والجهل والتخلُّف فهو شاعر الحرية بلا مُنازع، وقد لمَع نجمُه عاليا في حياته وخاصة بعد مماته ليُشهد على أن أبو القاسم الشابي قامَة عالية وعَمود من أعمِدة الشّعر والأدب العربيّ.

تُوفي الشاعر والنابغة أبو القاسم الشابي في 9 أكتوبر سنة 1934 عن عمر يناهز 25 سنة بعد أن أعْياهُ مرض القلب وتَرك إرثا شِعريا وثقافيا ووطنيا لا مثيل له، فقد كان أسلوبه مُبتَكرا، فيّاضا، سَلسا، مُؤثِّرا في النفس وخوالجِها.

وقد عَكَسَ الشابي كل ما يُخالجه بعبارات بَلاغية رائعة صاغَها بأسلوب وقالَب شعري جميل وراقٍ يَفيض طوْرًا رقةً وإحساساً وألمًا وطورا آخر صارخا بكلمات مُوقضة للأُمة وباعثة فيها الأمَل والتّحدي والحزْم للثّأر لعزّتها وكرامتِها والإسْتِماتة في الدِّفاع عن وَطنها.

* ألّفَ أبو القاسم الشابي أعمالاً أدبيّة مهمّة وقصائد وطنيّة وفنيّة وثوريّة ومن أشهرها:

 ديوان أغاني الحياة – الخيال الشعري عند العرب – قصيدة زئير العاصفة – قصيدة إرادة الحياة – قصيدة إلى طغاة العالم – قصيدة اسكني يا جراح – قصيدة الراعي – قصيدةُ أراك – قصيدةُ صلوات في هيكل الحب – قصيدةُ صَباح جديد – قصيدةُ نشيد الجبّار – قصيدةُ أَلا إنَّ أَحْلاَمَ الشَّبَابِ ضَئِيلَة ٌ – قصيدةُ الجنَّةُ الضَّائعة – قصيدةُ الأشواقُ التائهةُ …

* من أشهر الأبيات الشعرية لأبو القاسم الشابّي:

:مقتطفات من قصيدة الحقّ –

ألا أيّها الظُلمُ المُصعِّرُ خَدَّهُ رُويدَك —– إنّ الدّهرَ يَبنِي ويَهْدِمُ
أغرَّكَ أنّ الشّعبَ مُغْضٍ على قَذًى—–  لكَ الويلُ منْ يوم بهِ الشرُّ قَشْعَمُ
ألا إنّ أحلامَ البلادِ دفينةٌ —–  تُجمْجمُ في أعماقِها ما تُجمْجمُ
ولكنْ سيأتي بعد لَأْيٍ نُشورُها —–  ويَنبثقُ اليومُ الذي يترنّمُ
هُو الحقُّ يبقَى ساكنًا فإذا طغَى —–  بأعماقهِ السُّخطُ العَصُوفُ يُدمْدِمُ
ويَنْحَطّ كالصّخْر الأصَمّ إذا هوَى —–  على هَام أصنام العُتُوِّ فيُحْطَمُ

– مقتطفات من قصيدة نشيد الجبّار :
سَـأعــيشُ رَغمَ الــــدَّاءِ والأعـــداءِ —–  كالــنِّســـر فوقَ الــقـمَّــة الـــشـمّـاءِ
أرنو إلى الــشَّــمــس الــمـضــيـئــة هازئاً،—– بالسُّحبِ والأمطارِ والأنواءِ
لا أرمقُ الظـلَّ الـــكئيــبَ ولا أرى—– مـــا فـي قـرارة الــهــوّة الــسـوداء
وأقــول للـــقـدرِ الــذي لا يـنـثـنــي —– عن حـربِ آمـالـي بـكـلِّ بــلائـــي
لا يُطفئ اللــهب المـُـؤجَّج في دَمي—– موجُ الأسى، وعـواصــفُ الأرزاء
فاهـدم فـؤادي ما اســتطـعـتَ، —–  فإنَّهُ سيـكـون مـثـل الـصَّـخرة الـصَّمـاء

– مقتطفات من قصيدة لحن الحياة :
إذا الشعبُ يوماً أراد الحياة —–  فلا بــدّ أن يـستـجـيبَ الـقـدر
ولا بـدّ لـلــــيـل أن يـنـجـلـي —–  ولا بـدّ لـلـقــيـدِ أن يـنـكــسـر

Voir également

عيد الجلاء

عيد الجلاء / Journée d’évacuation يحتفل التونسيون يوم 15 أكتوبر من كلّ عام بعيد الجل…