تداعيات فيروس كورونا على العالم

مع كل جائحة تَضرب العالم يُكتَب تاريخ جَديد للبشريّة وتَرتَسم خارطة مُختلفة للتّوازنات الاقتصادية والاجتماعية والسياسية للبُلدان.

وما يعيشه العالم اليوم إثر تفشي فيروس كورونا (Coronavirus (COVID-19 هو صُورة مُمَاثلة لتداعيات أكثر الجائحات والأوبئة التي ضَربت البشريّة عبر حقبات تاريخية مختلفة.

تعدى انتشار المرض الحُدود الجُغرافية للصين ليَشمل جميع أنحاء العالم وليَفرِض على الدول مجموعة من التَّراتيب الصّارمة لوقف تفشيه القاتل بين البشر إلا أن تداعِياته كان لها الأثر العميق على إقتصاديات البلدان وسِياساتها من الداخل والخارج.

تسبّب فيروس كورونا المُستَجد في تغيير لمسار البلدان السياسي والإقتصادي وبَرزَت النّقائص التي كانت تنخُر القطاع الصحي والإجتماعي للبلدان، وعلى الرغم من صُمود بعض الدول أمام تفشي الوباء السريع إلا أنها تعاني اليوم من نُقص حاد في الإمكانيات المالية واللوجستية لاستكمال حربها الضَّروس ضِدَّ مُخلفاته على القطاع الإقتصادي والإجتماعي.

اجتاح هذا الوباء الصين في البداية ليَشمل بعد ذلك أغلب بِقاع العالم وتسبّب في حَصد الآلاف من الأرواح، ومازال العلماء ليومنا هذا يبحثون عن اللِّقاح الفعّال الذي من شأنه أن يُوقف زحف الجائحة.

رغم الإمكانيات المالية والإقتصادية الهامَّة للبُلدان المُتقدمة كالصين وفرنسا و إيطاليا و بريطانيا و الولايات المتحدة الأمريكية إلا أنها تقف اليوم عاجزة عن التصدي الأمثل للفيروس فبدأنا نلاحظ فتورا كبيرا في العلاقات القائمة بينها.

ولا تَبدو الدول قادرة على إدارة الأوضاع، إذ عانت من أزمات ديبلوماسية بينها وخاصة عند مُحاولة إعادة الجاليات العالقة لبلدانهم الأصلية والمشاكل المرتبطة بفترات الإنتظار الطويلة داخل المطارات والموانئ وبكيفية عزلهم. زيادة إلى معضلة إغلاق البلدان لحدودها أمام التنقل البرّي والبحري.

شدَّدت أيضا الدول في قواعد الهجرة، ووضعت حواجز جديدة أمام التجارة والاستثمار والتوريد.

كما أحدثت الأزمة شلل تام في القطاعات الحيوية التي تعتمد على حركة البضائع والأفراد كالسياحة، شركات الطيران والسفن، الرحلات البحرية وخطوط الشحن التجارية…

كما أدى عدم فَهمُ كيفية ظُهور الوباء إلى حالة من التَّخبّط الشّديد، وبَرَزت العُنصرية ومشاعر الكراهية تُجاه الآسيويين، خاصة في طريقة عيشِهم وعاداتهم وتقاليدهم ومأكولاتهم الغريبة وطَفَق الكُلُّ يُوَسِّمُهم بالغرابة ويتَّهمونهم بأبشع النّعوت والصّفات مما سبّب شرخا كبيرا بينهم وبين بقية بلدان العالم.

إلا أن الشعب الصيني بادر أيضا إلى رَدِّ الإتّهامات الكلاميّة وأعلن أنه ضحية حرب فيروسية ووبائية هدفها الرئيسي تدمير إقتصاد البلد لكونِه من أقوى اقتصاديات العالم على نطاق الصناعة والتجارة والخدمات.

على صعيد العلاقات بين الدول، برز إحساس عميق بعدم التّضامن وعدم التآزر بل بالخيانة أحيانا وذلك بسبب عدم مَدّ يَدِ العون لهذه الدول بالمُعدات الصّحية اللازمة، بالخبرات، بالباحثين والأطباء، بالأموال والقروض لمجابهة تداعيات هذه الأزمة الوبائية.

وبدا التأثير الاقتصادي الفوري للجائحة واضحا مما ساهم في وضع خطة طوارئ عالمية وتفعيل الإجراءات الاحترازية والتضامنية التي من شأنها حماية الاقتصادات من الأضرار المحتملة، فقدمت البنوك الدولية كالبنك الدولي، البنك العالمي، البنوك الإسلامية، FMI، صندوق النقد الدولي وغيرها من المؤسسات المالية الدولية قروض دون فائدة أو بفائدة منخفضة للدول الموبوءة، تفعيل صناديق تمويل حالات الطوارئ الوبائية وتقديم مساعدة سريعة للشركات التي تعطلت أنشطتها الإقتصادية.

لم يكن للجائحة تأثيرا من حيث العلاقات الخارجية فقط بين البلدان بل هَدَّدَت تماسُك المجتمع المَحلي في حدّ ذاته. وقد حاولت الدول المُتضررة من الفيروس أن تلجأ إلى جميع الأساليب المُمكنة لتوعية المواطنين بخطورته، فاعتمدوا في البداية أساليب التَّوعية والتعريف بالوباء ثم لجؤوا إلى أساليب أكثر صَرامة كالحَجْرِ الصِّحي الوُجوبي والزَّجْري والعِقاب للمخالفين للنصائح الوقائية المُعتَمَدة، وهذا ما سبب حالة من الفزع والخوف.

ورغم أن الدول مُلزمة باتباع هذه الأساليب القمعية لوضع حدٍّ لحالة عدم الوعي وعدم الانضباط تجاه هذه الجائحة إلا أن الوعي المجتمعي في عدة حالات كان له الأثر الإيجابي.

كانت الأنظار مُتّجهة نحو فَهمِ ماهية هذا الفيروس المُستَجد وكانت تسود العالم حالة من عدم الوعي والإستهتار إزاء خُطورة الوباء، وكانت الحكومات تتعامل مع المواطنين بتَكتُّم كبير مع غياب تام لعنصر الشّفافية ممّا زاد في تأزم الأوضاع وهذا حال بعض البلدان الأوروبية كإيطاليا وإسبانيا خاصة.

ثم مرّ العالم إلى حالة من الصدمَة عندما أدرك حقًّا خُطورة الوضع والخَللِ الواضح في أنظمة الصحَّة والرِّعاية الإجتماعية والفشل الذريع في السّياسات الوقائية التي تم اعتمادها.

وكان المُجتمع المدني كغيره من الفاعلين يجهَل ما سَتؤول إليه الأمور وخاصة مع إلغاء الدولة لجميع الفعاليات الثقافية والرياضية والمسابقات الأدبية والمهرجانات والنَّدوات والمعارض وغيرها. فكان يقف عاجزا، مُتفرجا لا يَعرف أي السِّياسات التي يَجب اتباعُها أمام هذا الوضع الكارثيّ العالميّ.

إلا أن أصواتا تعالت من داخل المجتمع تُنادي بوُجوب تظافر الجُهود وتوفير الإمكانيات الماليّة واللوجستيّة الضّرورية لمُجابهة خطر هذه الأزمة العالمية.

وانطلقت مُكونات المجتمع المدني في تحديد الأولويات مُعتمدة في ذلك على تجارب البلدان التي فتك بها الفيروس، لتصحح الخطأ في الإجراءات وتصوِّب تدخُّلاتها لتكون فعَّالة في تطويق الأزمة.

فالوعي المُجتمعي بمشكلات المرحلة الراهنة هو أساس الخروج من براثن الأزمة والتّفاعل الإيجابي يساعد الدولة على توفير لا فقط الإمكانيات والطاقات البشرية بل أيضا مجموعة من الأفكار المتجددة والآراء التي يمكن لها أن تساهم في استنباط حلول فعالة تساعد الدول التي لا تمتلك كل الضروريات لمجابهة الأزمات.

من هنا وجب التّحرك وفتح أبواب التّضامن والتآزر الذي تدعَمُه مُنظمات ومُكونات المجتمع المدني والاكتفاء بالمُراقبة الجادّة لأنشطتها.

كما عمدت الدولة إلى إحداث صندوق 1818 مُخصص للتبرعات المالية من أجل دعم مجهوداتها الرَّامية للتغلب على الوباء وتقديم المساعدة لها وخاصة لضعف إمكانياتها في الميدان الصحيّ.

وبدأت الحاجة إلى انخراط العديد من الجمعيات التَّنموية والتَّضامُنية في هذه المُبادرة وحُدِّدت أدوارها مُسبقا لتُباشر النقائص الموجودة، تقيِّمها، وتُعالجها بأفضل الطرق المُمكنة.

فالمجتمعات لا تبحث عن جمعيات ومنظمات تتواجد فقط عند الرخاء والسِّلم الاجتماعي بل هي في حاجة ماسَّة لها لتتدخَّل سريعا عند الأزمات والمصائب. وتَكمُن إضافتها البَناءة حقا في أدوارها الثلاث الرئيسية:

دور توعوي تحسيسي، يقوم على توعية المواطنين وتحسيسهم بضرورة الالتزام بقواعد الصحة الأساسية وطرق الوقاية من هذا الوباء الخطير.

دور ردعي ميداني، يقوم على توفير الرّصيد البشري المؤهل لحسن سير ونجاعة التدخل الميداني.

ودور رقابي، وذلك بالمتابعة اللصيقة واليوميّة لتطورات الأزمة وكيفية الحدّ من النقائص الموجودة.

أخيراً وليس آخراً، وأمام انهيار المنظومة الصحية فان الرِّهان الحقيقي اليوم يقع على عاتق المواطن، على وعيه والتزامه بتداعيات الأزمة، وضرورة احترام التدابير الوقائية لحماية نفسه أولا والإحاطة ببقية مكونات المجتمع.

Voir également

عيد الجلاء

عيد الجلاء / Journée d’évacuation يحتفل التونسيون يوم 15 أكتوبر من كلّ عام بعيد الجل…